صراع الهويات في الجزائر
لم يكن الفجر تلك الساعة حدثًا كونيًا صرفًا؛ كان أشبه بشقّ خفيّ في جدار الوعي، فجوة تمرّ منها الأشياء حين تتعب من ثِقل وجودها. وفي تلك اللحظة التي لم تُخلق بعد بالكامل، كنتُ أشعر بأن العالم لا ينهض من نومه، بل من ورطته. ورطة أن يكون، ورطة أن يستمرّ رغم أنه لا يفهم لِمَ استمرّ أصلًا.
لم يكن أحد يدرك أنّ الهوية، قبل أن تكون نسبًا ولغة وذاكرة، هي جرح قديم يبحث عن اسم. وأنا — في هذا الصباح البارد — لم أكن غير أصبعٍ يتحسس ذلك الجرح، لا أعرف إن كنتُ أريد تضميده أم إعادته للنزف.
هناك لحظات تُشبه يدًا غامضة تمتدّ من الداخل، وتلتقط الروح لتضعها أمام مرآة غير مصقولة. مرآة لا تعكس ما أنت عليه، بل ما تهرب منه. كنتُ أحد أولئك الذين أمسكَت بهم تلك اليد. لا أعرف في أي عمر حدث هذا؛ أعمار الباطن لا تُقاس بتقويم، بل بانكسارات.
كان كل شيء حولي ينهض من تلقاء نفسه: الشوارع تتثاءب، الهواء يشق ثوبه من بردٍ لا يقدر على نهشه كاملًا، وأصواتٌ بلا صاحبٍ تمرّ تحت النوافذ. لكن الذي نهض في داخلي تلك اللحظة لم يكن الصباح… بل شيء آخر. شيء يشبه مدينة تحترق ببطء تحت جلدي.
كنتُ أرى — من دون أن أنظر — ممالك كاملة تتحرك داخلي. لم يكن الأمر مجازًا؛ كانت هناك ممالك بحق. مدن مشيدة من الرغبات، قلاع مبنية من الخوف، طرق من العناد، وغرف مظلمة تتوالد فيها ظلالٌ اسمها: الهَوَى.
نحن — بهذا المعنى — لا نحمل هويات. نحن نحمل سلالات من الهَوَايات. رغبات قديمة، غير مرئية، تسكننا أكثر مما نسكن نحن أنفسنا.
وأنا أكتب هذه الكلمات، لا لأنني فهمت، بل لأنني فقدتُ القدرة على الاحتمال. هناك وعي لا يتسع للصمت، وصمتٌ لا يليق به إلا الانفجار على هيئة نص.
لقد كنتُ طوال عمري أشعر بأنني لست فردًا واحدًا، بل ساحة صراع. ومَن قال إن التاريخ يُكتب خارج الجسد؟ كل تاريخ يبدأ من داخله. كل حرب كبرى لها نسخة أولى صغيرة تجري في صدر إنسان واحد. وكل أمة لم تستطع يومًا أن تهرب من الإنسان الذي يشكّلها؛ من خوفه، من جرحه، من مقاومته العمياء، ومن جهله بنفسه.
ولأن الهوية كانت — في الجوهر — صراعًا على المعنى، فقد كانت ممالك الداخل تتقاتل فيّ بوحشية. لم يكن الفرق شاسعًا بين ملكٍ يريد أن يحكم بذاكرة، وآخر يريد أن يحكم برغبة، وثالث يحكم بفكرة لم تُختبر بعد. كان الداخل أشبه بمنفى يتناوب عليه الطغاة الذين أنجبتُهم دون وعي.
أحيانًا كنت أسمع صرير بواباتٍ تُفتح في أعماقي. بوابات تفضي إلى قاعات منسية، معلّق على جدرانها وجوهٌ لم أعرف يومًا إن كانت لي أو كانت لأشخاص عبروا داخلي ذات حلمٍ ثم لم يخرجوا. الوجوه لا تتلاشى هنا؛ بل تعود لتطالب بحقها في السيادة.
لقد كبرتُ كثيرًا وأنا أهرب من سؤالٍ صغير:
مَن يحكم هذا الداخل؟
كنت أعتقد — مثل كثيرين — أنني أنا من يحكمه. أنني إرادة واحدة، صافية، متماسكة. لكن الحقيقة أنني لم أكن سوى كرسيٍّ فارغ، يتعاقب عليه الحكّام، كل واحد منهم يعلن نفسه “أنا”، بينما أنا الحقيقي مختبئ في زاوية لا أحد يبلُغها.
وحين أدركتُ أن الداخل ليس مملكة موحدة، بل قارات من الهَوَى تتصادم، تغيّر كل شيء. لم أعد أبحث عن إجابة، بل عن نجاة.
هناك لحظة في حياة كل شخص يدرك فيها أن العالم ليس مكانًا نعيش فيه، بل نتيجة نُفرزها. وأن الخارج — مهما بدا قاسيًا أو عادلًا — هو في النهاية مجرد ظلّ لشيء يحدث في الداخل، بعيدًا عن العيون، في غرفٍ تتصارع فيها رغبات لها أسنان.
وتلك اللحظة، بالنسبة إليّ، كانت نقطة الميلاد الحقيقية. ليس الميلاد الذي حدث جسديًا في زمنٍ لا أذكره، بل الميلاد الذي يحدث حين تفتح الوعي مثل جرح. جرح يجعل كل ما كان صلبًا يهتز، وكل ما كنت تظنه ثابتًا يتحول إلى سؤال.
لقد عشتُ طويلًا على حافة سؤال الهوية، لكنني لم أكن أعرف أن السؤال الحقيقي لم يكن: “من أنا؟” بل:
كم مِن “أنا” يسكنونني؟
ومنذ ذلك اليوم الذي رأيتُ فيه ممالك الداخل بوضوح، صرت أشعر أن العالم الخارجي أضيق مما كان. هو لا يتسع لمن عرف ازدحامه الداخلي. لقد أدركت أنّ الإنسان، حين يفهم نفسه، يصبح غريبًا عن العالم الذي صنعته عيونٌ لم ترَ ما يرى.
وكان هذا الإدراك قاسيًا، لكنه حرّرني. لم أعد أسأل: لماذا أشعر بهذا التمزق؟ بل: ماذا يحدث لو توقفتُ عن مقاومته؟
وبينما كانت ممالك الداخل تتقاتل — بعضها يريد أن ينتهي، وبعضها يريد أن يزدهر، وبعضها يريد فقط أن يسمع صوته في الفوضى — بدأتُ أشعر أن الهوية ليست وصفًا، بل محنة. ليست تعريفًا، بل اختبارًا. ليست تذكّرًا للماضي، بل نحتًا للمستقبل داخل الطين الذي نشأنا منه.
ومع كل خطوة في هذا الاكتشاف، كنتُ أرى أن الهوية ليست ما نكتسبه، بل ما نفقده. كلما تخلى الداخل عن شيء، صارت ملامح جديدة تظهر. وكأن الإنسان لا يتشكّل بالإضافة، بل بالاقتطاع. بالجرح، لا بالشفاء.
ورغم ذلك، لم يكن هذا النص محاولة لفهم الهوية. بل محاولة لتقبّل حقيقة أننا لم نُخلق لنفهمها، بل لنحملها كما يحمل البحر صوته: دون شرح، دون ملل، ودون أن يقنع نفسه بأنه هو الذي يختار المدّ والجزر.
لقد كنتُ — طوال حياتي — ذلك البحر. أرتفع وأسقط، أُولد وأفنى، أضيّق على نفسي وأتّسع، ومع ذلك كنت أظن أنني “أنا”. لكن الداخل لم يسمح لي بهذه الفكرة طويلًا. كان يهمس لي دائمًا:
أنت لست واحدًا. أنت عدد لا يُحصى من الذين لم يولدوا بعد.
في بعض الليالي، حين يصمت كل شيء، كنت أسمع خطى الملوك الذين يسكنونني. ملوكٌ بلا عروش، لكنهم يملكون جيوشًا من الذكريات والرغبات. كل واحد منهم يريدني ملكوتًا له. كل واحد منهم يريد أن يتحدث باسمي.
ومن هنا بدأ النصُّ يجد نفسه. بدأتُ أكتب — لا لأشرح — بل لأتيح لهؤلاء جميعًا أن يظهروا. لا لأنهم يستحقون الظهور، بل لأنني لم أعد قادرًا على احتجازهم.
عزالدين خليل

تعليقات
إرسال تعليق