المشاركات

المرأة التي تؤمن بالحرية الشخصية _ المرأة التي تؤمن بالطاعة الزوجية

منذ اللحظة الأولى، لا يقف السؤال عند من تطيع ومن تتحرر، بل عند: من يملك تعريف المعنى داخلها. المرأة التي تؤمن بالحرية الشخصية لا تهرب من العلاقة، بل ترفض أن تُختزل فيها. هي نتاج تاريخ طويل من ضبط الجسد والاختيار، فاختارت أن تجعل ذاتها مرجعًا أخلاقيًا أولًا. لا ترى في الاستقلال قطيعة، بل شرطًا للصدق؛ لأن الطاعة التي لا تمر عبر الوعي ليست فضيلة، بل عادة اجتماعية موروثة. هنا، كما يقول علم الاجتماع النقدي، تتحول الذات إلى فاعل، لا وظيفة. في المقابل، المرأة التي تؤمن بالطاعة الزوجية  لا تفعل ذلك دائمًا بدافع الخضوع، بل أحيانًا بدافع البحث عن يقين في عالم هش. الطاعة هنا ليست فعل حب، بل استراتيجية أمان؛ إعادة تموضع داخل بنية تمنحها معنى جاهزًا وتخفف عنها عبء القرار. كما لو أن الحرية، بثقلها الوجودي، كانت أكثر إرهاقًا من الامتثال. الزاوية العميقة التي يغفلها الخطاب الأخلاقي السطحي هي أن الصراع ليس بين امرأتين، بل بين نموذجين للوعي: وعي يتحمل مسؤولية المعنى، ووعي يسلّمه. لا واحدة منهما خيّرة أو شريرة في المطلق، لكن التاريخ يعلّمنا أن المجتمعات لا تتقدم بالطاعة، بل بالأسئلة التي تجرؤ الحرية ...

نظرية: الاختناق المعياري المتراكم _ عزالدين خليل

صورة
عزالدين خليل   نظرية: الاختناق المعياري المتراكم  ( Cumulative Normative Strangulation – CNS ) تفترض هذه النظرية أن أزمة الزواج في الجزائر ليست اقتصادية ولا أخلاقية، بل ناتجة عن تراكم معايير اجتماعية غير متزامنة زمنيًا. المجتمع الجزائري يعيش بثلاثة أنظمة معيارية في آن واحد: . معيار تقليدي يرى الزواج طقسًا جماعيًا مكلفًا  معيار حديث يطالب بالاستقلال الفردي والاختيار. . العاطفي، معيار اقتصادي هشّ لا يسمح بتحقيق أيٍّ منهما  هذا التراكب غير المحسوم يولّد ما أسميه الاختناق المعياري: الفرد يعرف ما يُطلب منه، لكنه غير قادر بنيويًا على تحقيقه دون خسارة نفسية أو اجتماعية. فينسحب، لا رفضًا للزواج، بل هروبًا من الفشل الرمزي. الآلية العلمية: الضغط المعياري المستمر يرفع القلق التوقعي ( anticipatory anxiety )، ما يؤدي إلى تج نب القرار طويل الأمد، وهو نمط موثق في علم النفس السلوكي. الاستراتيجية العلاجية (الحل): تفكيك المعايير لا إلغاؤها: فصل “الزواج” عن “الاحتفال”، و“الشراكة” عن “الاستعراض”. إقرار نماذج زواج تدريجية قانونيًا (مرحلية السكن، مرونة الطقوس). إعادة ضبط الخطاب الاجتماعي ...

الجزائر : : تشريح عقلٍ يعيش بين الذاكرة والخوف

صورة
الجزائر: تشريح عقلٍ يعيش بين الذاكرة والخوف الواقع الجزائري لا يُختزل في أزمة سياسة أو اقتصاد أو دين، بل في بنية ذهنية تشكّلت عبر قرون من الانقطاع، ثم ترسّبت تحت ضغط الاستعمار، فالتحرير، فالصدمة، فالخوف. نحن لا نعيش فقط داخل دولة، بل داخل سردية؛ سردية تقول إن النجاة أهم من الحقيقة، وإن الاستقرار أهم من السؤال، وإن الشك ترف لا يملكه من أنهكته التجربة. علميًا، لا يمكن فهم المجتمع الجزائري دون الاعتراف بأن الإنسان كائن مكيّف بيئيًا. الدماغ لا ينتج أفكارًا في الفراغ؛ بل يعيد تدوير الخوف، الذاكرة الجماعية، والعقاب الرمزي. حين يُكافأ الصمت ويُعاقَب السؤال، لا يصبح الجهل نقصًا معرفيًا، بل استراتيجية بقاء. وهنا تكمن المفارقة: المجتمع لا “يجهل” لأنه لم يتعلم، بل لأنه تعلّم كيف لا يرى. فلسفيًا، تعيش الجزائر انفصامًا بين زمنين: زمنٍ مقدّس متخيَّل يُستدعى لتبرير الحاضر، وزمنٍ واقعيّ يُدار بعقل أمني واقتصاد ريعي. الدين، في هذا السياق، لم يعد تجربة روحية أو أخلاقية، بل لغة جاهزة لإغلاق النقاش. لا يُستعمل للإجابة عن الأسئلة، بل لمنعها. وهنا لا يكون الإشكال في الإيمان ذاته، بل في تحويله إلى نظام حصانة...

البنية الذهنية للأزمة في الجزائر المعاصرة.

صورة
البنية الذهنية للأزمة في الجزائر المعاصرة: مقاربة سوسيولوجية–ثقافية لتطبيع الاختلال وإعادة إنتاجه ملخص (Abstract) تتناول هذه الدراسة المجتمع الجزائري المعاصر من زاوية غير تقليدية، لا ترى الأزمة بوصفها حدثًا ظرفيًا سياسيًا أو اقتصاديًا، بل باعتبارها بنية ذهنية وثقافية تم تطبيعها عبر الزمن. تنطلق الورقة من فرضية مركزية مفادها أن طول أمد الأزمات أدى إلى تحوّلها من استثناءات تاريخية إلى أنماط تفكير وسلوك يومية، ما جعل المجتمع يعيد إنتاج اختلالاته بصورة شبه تلقائية. تعتمد الدراسة مقاربة تحليلية متعددة الأبعاد، تمزج بين السوسيولوجيا الثقافية، والتحليل النفسي الاجتماعي، ونقد الاقتصاد الريعي. مقدمة غالبًا ما يُختزل النقاش حول الواقع الجزائري في ثنائية السياسة والاقتصاد، مع إرجاع الأزمات المتكررة إلى عوامل خارجية أو أنظمة حكم متعاقبة. غير أن هذا المنظور، رغم وجاهته الجزئية، يغفل مستوى أعمق من التحليل: المستوى الذهني–الثقافي الذي يشكّل الإطار غير المرئي لاستمرار الأزمات. تفترض هذه الورقة أن المجتمع الجزائري لا يعيش فقط أزمة، بل يعيش داخلها، وأن هذا “العيش داخل الأزمة” قد أنتج أنماطًا ذهنية جعلت ...

المدينة التي نجت من المعنى

 في اليوم الذي استيقظت فيه المدينة بلا أسماء، لم ينتبه أحد إلى الأمر فورًا. اللافتات كانت في أماكنها، الوجوه مألوفة، واللغة تُستعمل كما الأمس، لكن الكلمات فقدت قدرتها على الإشارة. لم يعد “الخبز” يدل على ما يُؤكل، ولا “العدالة” على ما يُطلب، ولا “الله” على ما يُخاف أو يُرجى. الأشياء صارت موجودة، نعم، لكن بلا مرجع أعلى يربطها بمعنى. في الساحة الكبرى، كان تمثال الحقيقة ما يزال قائمًا، امرأة معصوبة العينين تحمل ميزانًا مكسورًا. الغريب أن العصب لم يعد يخفي شيئًا؛ لم يكن خلفه شيء أصلًا. المارة يمرون، يلتقطون صورًا، يتجادلون: هل العمى فضيلة أم هروب؟ أحدهم قال إن التمثال كاذب لأنه يوهم بالعدل، آخر قال إن الكذب هو آخر أشكال الصدق الممكنة. في الطابق السابع من بناية بلا رقم، جلس كاتب يمزق مخطوطته للمرة الألف. كان قد كتب: “الحقيقة هي…” ثم توقف دائمًا. أدرك متأخرًا أن المشكلة ليست في تعريف الحقيقة، بل في الحاجة إليها. كان يشعر أن كل جملة يحاول تثبيتها تتحول فورًا إلى سلطة، وكل معنى إلى سجن لغوي. فاختار الصمت، لكنه اكتشف أن الصمت أيضًا خطاب، وأن الامتناع موقف لا يقل عنفًا عن الإعلان. في المستشفى...

عزالدين خليل — محضر الغياب

صورة
“محضر الغياب” حين استُدعيتُ للمثول أمام اللجنة، لم يخبرني أحد بسبب الاستدعاء. لم يكن ذلك غريبًا؛ فالأسباب هنا تُعتبر من التفاصيل الثانوية، مثل الطقس أو شكل السماء. المهم أنك مُدانٌ ما دمتَ حاضرًا. دخلتُ القاعة في ساعة لم تكن مسجّلة في أي تقويم. الضوء كان كافيًا ليريني، غير كافٍ لأرى. خلف الطاولة الطويلة جلس ثلاثة رجال، أو ربما ثلاثة مواقع للسلطة اتخذت شكل رجال. لم أستطع أن أحدد إن كانوا ينظرون إليّ، أم ينظرون من خلالي إلى شيء أكثر أهمية. قال أحدهم بصوت لا يحمل نبرة: — أنت متأخر. سألته، وقد شعرت أن السؤال نفسه خطأ إداري: — عن ماذا؟ نظروا إلى بعضهم، ثم عادوا إليّ بنظرة من يعرف أنك لا تفهم، لكنك ستُحاسَب على ذلك. — عن نفسك. صمتُّ. لم أكن أملك دفاعًا. لا لأن التهمة صحيحة، بل لأنها دقيقة على نحو مؤلم. منذ زمن بعيد — لا أذكر متى — بدأتُ أشعر أنني أعيش بدلًا عن شخص آخر. أستيقظ، أعمل، أتكلم، أبتسم، لكنني لا أصل. دائمًا هناك شيء يصل قبلي، شيء يأخذ مكاني، يوقّع باسمي، ويترك لي التعب. قال الرجل الثاني: — بحسب السجلات، أنت حاضر جسديًا منذ سنوات، لكنك غائب وجوديًا منذ مدة أطول. أخرج ملفًا سميكًا، ف...

الجزائر _ تجريم الاستعمار الفرنسي

صورة
 نحو تحرير الوعي الجزائري من منطق الضحية لم يكن قرار تجريم الاستعمار الفرنسي خطوة رمزية فقط، بل كان اعترافًا متأخرًا بحقيقة تاريخية حاولت القوى الاستعمارية طمسها: الاستعمار ليس حدثًا ماضيًا، بل بنية عنف طويلة الأمد امتدت في الجسد، الذاكرة، واللغة. غير أن الخطر الحقيقي يبدأ بعد الاعتراف، لا قبله. فالتاريخ، إن لم يتحوّل إلى وعي نقدي، يتحوّل بسهولة إلى هوية ضحية دائمة. السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: هل كان الاستعمار جريمة؟ هذا محسوم أخلاقيًا وتاريخيًا. السؤال الأهم هو: ماذا نفعل بهذه الحقيقة؟ 1. من الإدانة إلى الوعي: الفرق الجوهري الإدانة فعل سياسي وقانوني. أما الوعي فهو فعل نفسي ومعرفي. الدولة يمكنها أن تُدين الاستعمار، لكن لا يمكنها أن تفكّر بدل المجتمع. الخطر هنا هو أن يتحوّل تجريم الاستعمار إلى رأسمال رمزي مريح: نستدعيه كلما فشلنا، نلوّح به كلما تعثّر مشروع، ونعلّقه كسبب جاهز لكل عجز. بهذا المعنى، يصبح الاستعمار ـ paradoxically ـ عذرًا دائمًا للحاضر. 2. الاستعمار انتهى… لكن بنيته لم تنتهِ من منظور علم الاجتماع التاريخي، الاستعمار لا يخرج حين يخرج الجندي. إنه يترك خلفه: ذهنيات...