الجزائر _ تجريم الاستعمار الفرنسي

 نحو تحرير الوعي الجزائري من منطق الضحية

لم يكن قرار تجريم الاستعمار الفرنسي خطوة رمزية فقط، بل كان اعترافًا متأخرًا بحقيقة تاريخية حاولت القوى الاستعمارية طمسها: الاستعمار ليس حدثًا ماضيًا، بل بنية عنف طويلة الأمد امتدت في الجسد، الذاكرة، واللغة.

غير أن الخطر الحقيقي يبدأ بعد الاعتراف، لا قبله. فالتاريخ، إن لم يتحوّل إلى وعي نقدي، يتحوّل بسهولة إلى هوية ضحية دائمة.

السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: هل كان الاستعمار جريمة؟

هذا محسوم أخلاقيًا وتاريخيًا.

السؤال الأهم هو: ماذا نفعل بهذه الحقيقة؟

1. من الإدانة إلى الوعي: الفرق الجوهري

الإدانة فعل سياسي وقانوني.

أما الوعي فهو فعل نفسي ومعرفي.

الدولة يمكنها أن تُدين الاستعمار، لكن لا يمكنها أن تفكّر بدل المجتمع.

الخطر هنا هو أن يتحوّل تجريم الاستعمار إلى رأسمال رمزي مريح:

نستدعيه كلما فشلنا،

نلوّح به كلما تعثّر مشروع،

ونعلّقه كسبب جاهز لكل عجز.

بهذا المعنى، يصبح الاستعمار ـ paradoxically ـ عذرًا دائمًا للحاضر.

2. الاستعمار انتهى… لكن بنيته لم تنتهِ

من منظور علم الاجتماع التاريخي، الاستعمار لا يخرج حين يخرج الجندي.

إنه يترك خلفه:

ذهنيات طاعة

خوفًا من المبادرة

تقديسًا للسلطة

ريبة من العقل النقدي

ونفورًا من المسؤولية الفردية

الاستعمار الحقيقي اليوم ليس فرنسيًا،

بل هو استمرار ذهني داخلي:

نفس العلاقة العمودية،

نفس انتظار المُخلِّص،

نفس الحاجة إلى أب رمزي.

3. مشكلة الوعي الجزائري ليست في الذاكرة، بل في استخدامها

الذاكرة سلاح ذو حدّين.

إما أن تكون:

أداة تحرّر

أو

أداة شلل نفسي

حين تتحوّل الذاكرة إلى خطاب تعبوي بلا تحليل،

نخلق أجيالًا تعرف من تكره،

لكن لا تعرف كيف تفكّر.

العلم لا يُبنى على الغضب.

والنهضة لا تقوم على الجراح وحدها.

4. الدين، الوطنية، والخلط الخطير

أحد أخطر آثار ما بعد الاستعمار هو تديين الوطنية أو توطين الدين.

حين يصبح التاريخ مقدسًا،

والنقد خيانة،

والسؤال وقاحة.

في هذه اللحظة، لا نكون قد تحررنا،

بل استبدلنا مستعمرًا خارجيًا

بـ مقدسات داخلية غير قابلة للنقاش.

الفكر الحر لا يعيش في مناخ التخوين.

5. لماذا الخطاب الأخلاقي وحده غير كافٍ؟

القول إن فرنسا ارتكبت جرائم لا يعلّم طفلًا التفكير،

ولا يخلق جامعة منتجة،

ولا يبني اقتصاد معرفة.

الخطاب الأخلاقي ضروري،

لكنه غير كافٍ.

ما نحتاجه هو:

خطاب معرفي

تحليل بنيوي

شجاعة في مساءلة الذات

التحرر لا يكون فقط من المستعمر،

بل من الكسل العقلي الذي خلّفه.

6. من منطق القطيع إلى منطق الفرد

المجتمع الذي يفكّر كقطيع:

يحتاج عدوًا دائمًا

يخاف الاختلاف

يبحث عن صوت واحد

ويرتاح للتبسيط

لكن كل نهضة بدأت بفرد خرج عن السرب.

الجزائر اليوم لا تحتاج مزيدًا من الشعارات،

بل أفرادًا قادرين على التفكير خارج الإجماع العاطفي.

7. المرحلة الانتقالية المطلوبة

المرحلة القادمة ليست سياسية فقط،

بل نفسية ومعرفية.

مرحلة تقول بوضوح:

نعم، الاستعمار جريمة

نعم، الذاكرة حق

لكن لا، هذا لا يعفينا من مسؤولية الحاضر

التحرر الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن سؤال: من دمّرنا؟

ونبدأ بسؤال: كيف نعيد بناء أنفسنا؟


خاتمة

تجريم الاستعمار خطوة شجاعة.

لكن الشجاعة الأكبر هي ألا نختبئ خلفها.

الأمم لا تنهض بالذاكرة وحدها،

بل بالعقل الذي يعرف كيف يحوّل الألم إلى معرفة،

والتاريخ إلى وعي،

والغضب إلى مشروع



الجزائر لا تحتاج أن تتذكّر فقط،

بل أن تفهم.

والفهم…

هو أخطر أشكال التحرر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"مأساة صبايحي وجدي وصبايحي خالد في سطيف: عندما يُسقط العنف آخر أقنعة الإنسان"

صراع الهويات في الجزائر