المدينة التي نجت من المعنى
في اليوم الذي استيقظت فيه المدينة بلا أسماء، لم ينتبه أحد إلى الأمر فورًا.
اللافتات كانت في أماكنها، الوجوه مألوفة، واللغة تُستعمل كما الأمس، لكن الكلمات فقدت قدرتها على الإشارة. لم يعد “الخبز” يدل على ما يُؤكل، ولا “العدالة” على ما يُطلب، ولا “الله” على ما يُخاف أو يُرجى. الأشياء صارت موجودة، نعم، لكن بلا مرجع أعلى يربطها بمعنى.
في الساحة الكبرى، كان تمثال الحقيقة ما يزال قائمًا، امرأة معصوبة العينين تحمل ميزانًا مكسورًا. الغريب أن العصب لم يعد يخفي شيئًا؛ لم يكن خلفه شيء أصلًا. المارة يمرون، يلتقطون صورًا، يتجادلون: هل العمى فضيلة أم هروب؟ أحدهم قال إن التمثال كاذب لأنه يوهم بالعدل، آخر قال إن الكذب هو آخر أشكال الصدق الممكنة.
في الطابق السابع من بناية بلا رقم، جلس كاتب يمزق مخطوطته للمرة الألف. كان قد كتب: “الحقيقة هي…” ثم توقف دائمًا. أدرك متأخرًا أن المشكلة ليست في تعريف الحقيقة، بل في الحاجة إليها. كان يشعر أن كل جملة يحاول تثبيتها تتحول فورًا إلى سلطة، وكل معنى إلى سجن لغوي. فاختار الصمت، لكنه اكتشف أن الصمت أيضًا خطاب، وأن الامتناع موقف لا يقل عنفًا عن الإعلان.
في المستشفى المركزي، وُلد طفل بلا تاريخ. الأطباء بحثوا عن اسم فلم يجدوا ما يليق. أحدهم اقترح اسمًا دينيًا، آخر اسمًا ثوريًا، ثالث اسمًا علميًا محايدًا. الطفل بكى، لا احتجاجًا، بل لأن البكاء كان الشيء الوحيد الذي لم يُحمّل بعد بأي معنى. بعد سنوات، سيكبر الطفل ليصير فيلسوفًا، أو جلادًا، أو مجرد موظف، لا فرق. التاريخ لا يصنعه العمق، بل الصدفة التي تنجح.
في الجامعة، كانت تُدرَّس مادة جديدة: تفكيك البداهة. الطلاب يتعلمون كيف يشكون في ما لا يُسأل عنه: الأخلاق، الوطن، الهوية، الحب. إحدى الطالبات سألت: “إذا شككنا في كل شيء، ماذا يتبقى؟”
الأستاذ ابتسم وقال: “يتبقى الإنسان، عاريًا، بلا أعذار ميتافيزيقية.”
لم يعجبها الجواب، لكنه ظل يطاردها لسنوات، حتى بعد أن تزوجت وأنجبت ونسيت السؤال ظاهريًا.
في المعبد، كان الإله صامتًا أكثر من المعتاد. الكهنة فسروا الصمت بالحكمة، والملحدون بالعدم، والمؤمنون بالخوف، لكن الصمت لم يفسر نفسه. وربما لم يكن هناك من يتكلم أصلًا. ربما كان الإله فكرة تعبت من حملها العقول، أو حيلة اخترعها الوعي ليحتمل عبء وجوده.
مع مرور الوقت، لم تنهَر المدينة. لم تقع الفوضى الكبرى كما تنبأ الحكماء. الناس استمروا في العيش، في الحب، في الخيانة، في القتل، في الكتابة. اكتشفوا أن المعنى ليس شرطًا للحياة، بل ترفًا فكريًا. وأن الإنسان يستطيع أن يكون وحشيًا أو رحيمًا دون أن يعرف لماذا.
وفي نهاية غير نهائية، كتب مجهول على جدار مهجور:
“إذا لم يكن هناك شيء مقدس، فهذا لا يعني أن كل شيء مباح، بل أن كل شيء مسؤول.”
لم يقرأ العبارة أحد في البداية.
وحين قُرئت، اختلفوا في معناها.
وهكذا… نجت الفكرة، لا لأنها صحيحة، بل لأنها قابلة للإنكار
.
تعليقات
إرسال تعليق