عزالدين خليل — محضر الغياب

“محضر الغياب”

حين استُدعيتُ للمثول أمام اللجنة، لم يخبرني أحد بسبب الاستدعاء. لم يكن ذلك غريبًا؛ فالأسباب هنا تُعتبر من التفاصيل الثانوية، مثل الطقس أو شكل السماء. المهم أنك مُدانٌ ما دمتَ حاضرًا.

دخلتُ القاعة في ساعة لم تكن مسجّلة في أي تقويم. الضوء كان كافيًا ليريني، غير كافٍ لأرى. خلف الطاولة الطويلة جلس ثلاثة رجال، أو ربما ثلاثة مواقع للسلطة اتخذت شكل رجال. لم أستطع أن أحدد إن كانوا ينظرون إليّ، أم ينظرون من خلالي إلى شيء أكثر أهمية.

قال أحدهم بصوت لا يحمل نبرة: — أنت متأخر.

سألته، وقد شعرت أن السؤال نفسه خطأ إداري: — عن ماذا؟

نظروا إلى بعضهم، ثم عادوا إليّ بنظرة من يعرف أنك لا تفهم، لكنك ستُحاسَب على ذلك. — عن نفسك.

صمتُّ.

لم أكن أملك دفاعًا. لا لأن التهمة صحيحة، بل لأنها دقيقة على نحو مؤلم.

منذ زمن بعيد — لا أذكر متى — بدأتُ أشعر أنني أعيش بدلًا عن شخص آخر. أستيقظ، أعمل، أتكلم، أبتسم، لكنني لا أصل. دائمًا هناك شيء يصل قبلي، شيء يأخذ مكاني، يوقّع باسمي، ويترك لي التعب.

قال الرجل الثاني: — بحسب السجلات، أنت حاضر جسديًا منذ سنوات، لكنك غائب وجوديًا منذ مدة أطول.

أخرج ملفًا سميكًا، فتحه، وبدأ يقرأ: — تغيّبتَ عن قرارٍ كان يمكن أن يغيّر مسارك. تغيّبتَ عن كلمة كان يجب أن تُقال. تغيّبتَ عن رفضٍ ضروري. تغيّبتَ عن نفسك في اللحظة التي كان يجب أن تدافع عنها.

كنت أسمعه، وأشعر أن كل جملة تُسحب من صدري كما تُسحب مسامير قديمة من خشب متعفّن.

قلت، بصوت بدا لي غريبًا: — لم أقصد.

ابتسم الثالث، ابتسامة بلا شفقة: — لا أحد يقصد. هذا ما يجعل الجريمة نظيفة.

طلبوا مني أن أوقّع على محضر الغياب.

الورقة كانت بيضاء.

قلت: — ماذا أكتب؟

قال الأول: — اكتب ما لم تكن.

جلستُ.

القلم كان أثقل من يدي.

بدأتُ أكتب، لا بوعي كامل، بل كما يكتب المحكوم اعترافه الأخير:

“لم أكن شجاعًا حين كان الخوف أسهل.

لم أكن صادقًا حين كان الصمت أكثر لباقة.

لم أكن حرًا حين عرضوا عليّ الطمأنينة بدل الحقيقة.”

كلما كتبت، شعرت أن القاعة تتّسع، وأن الرجال يبتعدون. لم يعودوا يراقبونني؛ صاروا ينتظرون.

في لحظة ما، توقفتُ.

رفعت رأسي. — وماذا بعد؟

قال أحدهم: — بعد ذلك، ستخرج.

— إلى أين؟

— إلى حياتك.

ضحكتُ. ضحكة قصيرة، مرة. — لكنها هذه.

نظر إليّ طويلًا، ثم قال: — لا. هذه كانت الإقامة المؤقتة.

خرجتُ من القاعة.

لم تكن هناك أبواب، لكنني وجدت نفسي في الشارع.

المدينة بدت مألوفة على نحو مخيف. كل شيء في مكانه، كأن شيئًا لم يحدث. الناس يمشون، المحلات مفتوحة، السماء تؤدي دورها المعتاد. لكنني كنت أشعر بأنني أخطو فوق حياة ليست لي بالكامل.

اقترب مني رجل عجوز، نظر في وجهي طويلاً، ثم قال: — تأخرت كثيرًا.

قلت: — أعرف.

— هل ستدخل الآن؟

— إلى أين؟

أشار إلى صدري.

فهمتُ.

وخفت.

الدخول إلى الداخل أصعب من مواجهة أي سلطة خارجية. في الداخل لا توجد قوانين واضحة، ولا محاضر رسمية. هناك فقط أنت، بما لم تكن عليه.

في تلك الليلة، لم أنم. جلستُ أمام المرآة، وانتظرت أن أظهر. تأخرتُ ثانية، ثانيتين، ثم رأيتُ وجهي. لم يكن غاضبًا، ولا حزينًا. كان متعبًا من الانتظار.

قال لي — أو ربما قلتُ لنفسي: — هل ستبقى تؤجل؟

لم أجب.

في الصباح، عدتُ إلى عملي، لكنني لم أجد مكتبي. لم يكن هناك أثر لي. سألتُ المدير، نظر إليّ بدهشة: — منذ متى تعمل هنا؟

خرجتُ.

المدينة لم تعترف بي.

لكن للمرة الأولى، لم أشعر بالهلع. شعرتُ بخفة غريبة، كأنني لم أعد مطالبًا بأداء دورٍ لم أختره.

جلستُ على درجٍ حجري، وكتبتُ على ورقة صغيرة:

“الإنسان لا يُدان بما يفعل

بل بما يتأخر عن أن يكونه.”

تركتُ الورقة، ومشيت.

لم أعرف إلى أين.



لكنني هذه المرة،

لم أصل متأخرًا. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

"مأساة صبايحي وجدي وصبايحي خالد في سطيف: عندما يُسقط العنف آخر أقنعة الإنسان"

صراع الهويات في الجزائر

الجزائر _ تجريم الاستعمار الفرنسي