البنية الذهنية للأزمة في الجزائر المعاصرة.
البنية الذهنية للأزمة في الجزائر المعاصرة:
مقاربة سوسيولوجية–ثقافية لتطبيع الاختلال وإعادة إنتاجه
ملخص (Abstract)
تتناول هذه الدراسة المجتمع الجزائري المعاصر من زاوية غير تقليدية، لا ترى الأزمة بوصفها حدثًا ظرفيًا سياسيًا أو اقتصاديًا، بل باعتبارها بنية ذهنية وثقافية تم تطبيعها عبر الزمن. تنطلق الورقة من فرضية مركزية مفادها أن طول أمد الأزمات أدى إلى تحوّلها من استثناءات تاريخية إلى أنماط تفكير وسلوك يومية، ما جعل المجتمع يعيد إنتاج اختلالاته بصورة شبه تلقائية. تعتمد الدراسة مقاربة تحليلية متعددة الأبعاد، تمزج بين السوسيولوجيا الثقافية، والتحليل النفسي الاجتماعي، ونقد الاقتصاد الريعي.
مقدمة
غالبًا ما يُختزل النقاش حول الواقع الجزائري في ثنائية السياسة والاقتصاد، مع إرجاع الأزمات المتكررة إلى عوامل خارجية أو أنظمة حكم متعاقبة. غير أن هذا المنظور، رغم وجاهته الجزئية، يغفل مستوى أعمق من التحليل: المستوى الذهني–الثقافي الذي يشكّل الإطار غير المرئي لاستمرار الأزمات.
تفترض هذه الورقة أن المجتمع الجزائري لا يعيش فقط أزمة، بل يعيش داخلها، وأن هذا “العيش داخل الأزمة” قد أنتج أنماطًا ذهنية جعلت الاختلال حالة طبيعية، لا موضوع مساءلة جذرية.
أولًا: من منطق البناء إلى منطق النجاة
تُظهر الملاحظة السوسيولوجية أن جزءًا معتبرًا من السلوك الاجتماعي في الجزائر تحكمه عقلية “النجاة” بدل “البناء”. فالنجاة تركز على تفادي الخسارة الآنية، لا على الاستثمار طويل الأمد، سواء في المجال الاقتصادي أو الثقافي أو السياسي.
في هذا السياق:
يُختزل العمل في كونه وسيلة للعيش لا لتحقيق الذات.
يُنظر إلى الزمن بوصفه عبئًا يجب تمريره، لا موردًا يجب تنظيمه.
يغيب المشروع الفردي طويل المدى لصالح حلول مؤقتة.
هذا التحول من منطق البناء إلى منطق النجاة لا يُنتج ديناميات تنموية، بل يُكرّس أنماط التكيّف مع الاختلال.
ثانيًا: الاقتصاد الريعي كمنظومة أخلاقية
لا يمكن فهم الأزمة الاقتصادية في الجزائر بمعزل عن بعدها القيمي. فالاقتصاد الريعي لا يؤثر فقط على توزيع الثروة، بل يعيد تشكيل علاقة الفرد بالعمل والمسؤولية.
في المجتمعات الإنتاجية، يُنظر إلى العمل كقيمة أخلاقية مرتبطة بالكرامة. أما في السياق الريعي، فيتحول العمل إلى ضرورة خارجية، بينما تُربط الكرامة بالانتماء أو القرب من مصادر الريع. هذه المفارقة تخلق توترًا دائمًا بين الخطاب الاجتماعي الذي يمجّد العمل، والممارسة اليومية التي لا تكافئه.
ثالثًا: الثقافة بين النقد الشكلي والوظيفة التسكينية
شهد المجال الثقافي في الجزائر توسعًا ملحوظًا في الخطاب النقدي، غير أن هذا النقد غالبًا ما بقي في مستوى لغوي أو أخلاقي، دون أن يتحول إلى أداة تفكيك معرفي حقيقي. فقد تحوّلت الثقافة، في كثير من الحالات، إلى فضاء للتنفيس الرمزي لا لإنتاج القلق المعرفي.
إن الثقافة التي لا تُزعج البُنى الذهنية السائدة، ولا تُعيد طرح الأسئلة الجذرية حول السلطة والمعنى والمسؤولية، تتحول إلى عنصر استقرار لا تغيير.
رابعًا: الفرد بين خطاب الضحية وعبء المسؤولية
يُقدَّم الفرد الجزائري في السرديات السائدة بوصفه ضحية تاريخية مستمرة، وهو توصيف يحمل جزءًا من الحقيقة. غير أن الإشكال يظهر حين تتحول هذه السردية إلى إطار تبريري دائم يعفي الفرد من مساءلة ذاته وممارساته.
تؤدي الإقامة الطويلة في موقع الضحية إلى مفارقة نفسية–اجتماعية: رفض الوصاية السياسية، مقابل قبول أشكال أخرى من الوصاية الرمزية والفكرية. وهنا يصبح مطلب الحرية منفصلًا عن تحمل تبعاتها.
خامسًا: حدود التغيير السياسي بمعزل عن التحول الذهني
تُظهر التجارب المقارنة أن تغيير النظم السياسية أو القانونية لا يؤدي بالضرورة إلى تحولات بنيوية ما لم يصاحبه تحول في المخيال الاجتماعي. فالنظام السياسي يعمل ضمن شروط ذهنية وثقافية تسمح له بالاستمرار أو السقوط.
إن أي إصلاح لا يمس:
تصور العمل
علاقة الفرد بالزمن
مفهوم المسؤولية الفردية يبقى عرضة لإعادة الاحتواء ضمن البنية القديمة.
خاتمة
تخلص هذه الدراسة إلى أن الأزمة في الجزائر ليست فقط أزمة مؤسسات أو موارد، بل أزمة تصور ومعنى. فالمجتمع الذي يتكيّف طويلًا مع الاختلال، يخاطر بفقدان القدرة على تخيّل بدائل حقيقية.
إن تجاوز هذا الوضع لا يمر عبر مضاعفة الخطاب أو استدعاء الماضي، بل عبر مساءلة ما أصبح مألوفًا أكثر مما ينبغي، وفتح نقاش عميق حول العلاقة بين الفرد، العمل، الزمن، والمعنى في
السياق الجزائري المعاصر.
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق